أحمد زكي صفوت

181

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

فحمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهله ، وصلّي على محمد نبيه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم أنشأ يترضّى عن الخلفاء الراشدين ، رضوان اللّه عليهم ، ويذكر ما كانوا عليه من الثّبات في دينهم ، والعزيمة في أمرهم ، وأنّ أحدهم كان لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، وذكر من حدّ عمر رضى اللّه عنه ابنه في الخمر ، وتصميمه على الحق ، في أشباه لهذه الفصول ، ثم قال : فانقرضت هذه العصابة ، نضّر اللّه وجوهها ، وشكر لها سعيها ، وجزاها خيرا عن أمّة نبيّها ، وخبطت الناس فتنة تركت الحليم حيران ، والعالم متجاهلا مداهنا ، فلم ينتفع العلماء بعلمهم ، بل قصدوا به الملوك ، واجتلبوا به الدنيا ، وأمالوا وجوه الناس إليهم ، في أشباه لهذا القول ، إلى هلمّ جرا . ثم إن اللّه سبحانه - وله الحمد - منّ عليكم - أيتها الطائفة - بتأييده ، وخصّكم من بين أهل هذا العصر بحقيقة توحيده ، وقيّض « 1 » لكم من « 2 » ألفاكم ضلّالا لا تهتدون ، وعميا لا تبصرون ، لا تعرفون معروفا ، ولا تنكرون منكرا ، قد فشت فيكم البدع ، واستهوتكم الأباطيل ، وزيّن لكم الشيطان أضاليل وترّهات « 3 » ، أنزّه لساني عن النطق بها ، وأربأ « 4 » بلفظي عن ذكرها ، فهداكم اللّه به بعد الضلالة ، وبصّركم بعد العمى ، وجمعكم بعد الفرقة ، وأعزّكم بعد الذّلة ، ورفع عنكم سلطان هؤلاء المارقين « 5 » ، وسيورثكم أرضهم وديارهم ، ذلك بما كسبته أيديهم ، وأضمرته قلوبهم ، وما ربّك بظلّام للعبيد .

--> - عن دين اللّه ، فزادهم ذلك بصيرة في أمرهم ، وحرصا على لقاء عدوهم ، وجعلوا يشنون الغارات على نواحي مراكش ويقتلون ويسبون ولا يبقون على أحد ممن قدروا عليه ، وكثر الداخلون في طاعتهم ، ولم يزل أصحابه ظاهرين ، وأحوال المرابطين تختل ، وانتقاض دولتهم يتزايد ، إلى أن توفى ابن مومرة سنة 534 ه بعد أن أسس الأمور ، وأحكم التدبير ، وقام بأمر الموحدين من بعده عبد المؤمن بن علي . وقد استوثق له الأمر بموت علي بن يوسف بن تاشفين ملك المرابطين سنة 537 ه . ( 1 ) أتاح لكم وسبب وهيأ . ( 2 ) يعنى نفسه . ( 3 ) جمع ترهة : وهي الباطل . ( 4 ) أرتفع . ( 5 ) يريد المرابطين .